في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي، وتنتشر فيه تطبيقات الإقراض الرقمي كحلول سريعة للاحتياجات المالية في العديد من البلدان، تبرز إريتريا كنموذج فريد ومختلف تماماً. فبينما يتجه العالم نحو التمويل الرقمي الشامل، يظل المشهد الإريتري خالياً من هذه الخدمات، حيث لا توجد حتى الآن أي تطبيقات قروض رقمية محلية أو دولية تعمل على أراضيها.
تسيطر البنوك المملوكة للدولة بشكل كامل على القطاع المصرفي في إريتريا، ويخضع الإقراض الرسمي لرقابة مشددة من بنك إريتريا المركزي. هذا الوضع يخلق فجوة كبيرة في الوصول إلى التمويل، مما يدفع المواطنين للاعتماد على شبكات الائتمان غير الرسمية، مثل العائلة ومجموعات الادخار الدورية (الإقوب)، أو التحويلات المالية من المغتربين في الخارج لتلبية احتياجاتهم من السيولة. يقدم هذا الواقع تحديات كبيرة أمام الشمول المالي، وفي الوقت نفسه، يفتح آفاقاً لفرص مستقبلية أمام دخول شركات التكنولوجيا المالية بمجرد نضوج الأطر التنظيمية والبنية التحتية الرقمية.
نظرة عامة على سوق الإقراض الرقمي في إريتريا
يتميز القطاع المالي في إريتريا، حتى تاريخ 12 سبتمبر 2025، بخصائص محددة تعكس السيطرة الحكومية الصارمة، والمنافسة المحدودة، والخدمات الرقمية المتواضعة للغاية. هذه الخصائص تشكل الأساس لفهم سبب غياب تطبيقات الإقراض الرقمي:
- عدد السكان: حوالي 3.4 مليون نسمة.
- معدل غير المتعاملين مع البنوك: أكثر من 70% من السكان لا يتعاملون مع البنوك الرسمية.
- المؤسسات المصرفية: ثلاث بنوك مملوكة للدولة فقط تعمل في البلاد: بنك إريتريا المركزي، البنك التجاري الإريتري، وبنك التجارة والإسكان.
- الانتشار الرقمي: تغطية الإنترنت تبلغ حوالي 35%، بينما تغطية شبكة الهاتف المحمول تصل إلى حوالي 50%. هذه الأرقام تشير إلى بنية تحتية رقمية محدودة نسبياً، وهي عائق أمام انتشار الخدمات المالية الرقمية.
بالنظر إلى هذه المعطيات، من الواضح أن البيئة غير مهيأة بعد لازدهار الإقراض الرقمي. لا توجد أي تطبيقات إقراض رقمي موجهة للمستهلكين الإريتريين تم إطلاقها أو تعمل حالياً. حتى محاولات اللاعبين الإقليميين في دول مجاورة مثل إثيوبيا (مثل Michu وMilkii وEfoyta) لتقديم القروض الصغيرة، لم تنجح في اختراق السوق الإريتري. هذا يؤكد أن السوق الإريتري لا يزال في مرحلة مبكرة جداً من التطور الرقمي المالي.
الجهات الشبيهة بالإقراض الرقمي (خدمات التحويلات المالية)
بما أنه لا توجد شركات إقراض رقمي محلية أو دولية تقدم قروضاً استهلاكية مباشرة في إريتريا، فإن أقرب ما يمكن الحديث عنه في هذا السياق هو خدمات تحويل الأموال. هذه الشركات تقدم خدمات تحويل الأموال فقط، ولا تقدم منتجات إقراض داخل إريتتريا، وأي ادعاءات بخلاف ذلك غير مؤكدة:
- Chimoney: تطبيق لتحويل الأموال، مسجل في المملكة المتحدة، ويقتصر عملياته على تحويل الأموال فقط. لا يقدم منتجات إقراض في إريتريا.
- Red Sea Money Transfer Ltd: تطبيق لتحويل الأموال، مسجل في المملكة المتحدة، ويقتصر عملياته على تحويل الأموال فقط. لا يقدم منتجات إقراض في إريتريا.
- Dahabshiil: تطبيق لتحويل الأموال، مسجل في المملكة المتحدة/الصومال، ويعمل ضمن لوائح تحويل الأموال. لا يقدم منتجات إقراض في إريتريا.
هذه الشركات، على الرغم من دورها الحيوي في ربط الإريتريين بالخارج وتسهيل تدفق التحويلات، إلا أنها لا تشكل جزءاً من مشهد الإقراض الرقمي، بل هي جزء من البنية التحتية لتحويل الأموال التي يعتمد عليها الكثيرون للحصول على السيولة.
البيئة التنظيمية وحماية المستهلك
يحتفظ بنك إريتريا المركزي بسلطة قوية على جميع العمليات المصرفية في البلاد. يحظر القانون المصرفية الخاصة، ولا يوجد إطار قانوني واضح للأموال المحمولة أو ترخيص شركات التكنولوجيا المالية. الإقراض الرقمي غائب تماماً عن لوائح البنك المركزي، ولا توجد خطط لتبني مفهوم "الخدمات المصرفية المفتوحة" في الأجندة السياسية الحالية.
أي شركة تكنولوجيا مالية تسعى لدخول السوق الإريتري ستحتاج إلى موافقة وزارية مباشرة، وترتيبات امتياز خاصة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية المحلية. هذا يوضح الحواجز العالية أمام أي دخول محتمل للسوق. في ظل غياب خيارات الإقراض الرقمي المنظمة، يواجه المقترضون الإريتريون عدة مخاطر:
- الاعتماد على مصادر الائتمان غير الرسمية: تفتقر هذه المصادر إلى الشفافية وقد تعرض المقترضين لأسعار فائدة باهظة وانتهاك للخصوصية.
- تأخير التحويلات المالية ورسومها العالية: مما يؤثر على توقيت الحصول على الائتمان.
- الإقصاء الرقمي: يزيد من الضعف المالي للسكان، خاصة في المناطق النائية.
لذلك، فإن حماية المستهلك في هذا السياق تعني في المقام الأول توعية الأفراد بالمخاطر المرتبطة بالتعاملات المالية غير المنظمة، وتشجيعهم على البحث عن أفضل الممارسات المتاحة ضمن الإطار الحالي.
اتجاهات السوق والتوقعات المستقبلية
يمثل الفراغ الحالي في سوق الإقراض الرقمي في إريتريا تحدياً وفرصة في آن واحد. فمن جهة، يعكس تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية والبيئة التنظيمية. ومن جهة أخرى، يشير إلى إمكانات نمو هائلة بمجرد تهيئة الظروف المناسبة.
من المرجح أن يتطلب أي تطور مستقبلي في هذا القطاع جملة من الإصلاحات، بما في ذلك تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتحديث الإطار التنظيمي ليشمل الخدمات المالية الرقمية، وتقديم حوافز للاستثمار في التكنولوجيا المالية. قد تبدأ هذه التطورات بالخدمات المصرفية الأساسية عبر الهاتف المحمول، ثم تتوسع تدريجياً لتشمل حلول الإقراض الرقمي.
إن إمكانية الاستفادة من التكنولوجيا المالية لتعزيز الشمول المالي في إريتريا ضخمة، خاصة بالنظر إلى نسبة غير المتعاملين مع البنوك التي تتجاوز 70%. ومع ذلك، فإن هذا لن يتحقق إلا من خلال جهود متضافرة من الحكومة والقطاع الخاص، وبدعم من المنظمات الدولية التي تروج للشمول المالي.
نصائح عملية للمستهلكين في إريتريا
في ظل المشهد المالي الحالي، من الضروري أن يتخذ المستهلكون الإريتريون قرارات مستنيرة ويتبعوا إرشادات عملية لحماية مصالحهم المالية. إليك خمس توصيات رئيسية:
- التعامل مع البنوك الحكومية للقروض الرسمية: إذا كنت بحاجة إلى ائتمان رسمي، توجه إلى البنوك الحكومية (بنك إريتريا، البنك التجاري الإريتري، بنك التجارة والإسكان). تأكد من فهمك الكامل لأسعار الفائدة الرسمية وجداول السداد وشروط القرض قبل الالتزام بأي اتفاق.
- التحقق من رسوم التحويلات المالية: عند استخدام خدمات تحويل الأموال مثل Chimoney أو Red Sea Money Transfer أو Dahabshiil، قارن الرسوم عبر مختلف مقدمي الخدمة لتقليل التكاليف والتأكد من سرعة وصول الأموال. تذكر أن هذه الخدمات مخصصة للتحويلات ولا تقدم قروضاً.
- توثيق القروض غير الرسمية: إذا كنت مضطراً للاعتماد على القروض من المصادر غير الرسمية (الأقارب، الأصدقاء، المعارف)، فحاول توثيق شروط الاتفاق بقدر الإمكان. اتفق على مبلغ القرض، جدول السداد، وأي ضمانات (إن وجدت) كتابياً لتجنب سوء الفهم أو النزاعات المستقبلية.
- استكشاف مجموعات الادخار الدورية (الإقوب): تعتبر مجموعات الإقوب بديلاً مجتمعياً شفافاً وموثوقاً به للحصول على السيولة أو الادخار. وهي طريقة تقليدية وفعالة لتبادل الدعم المالي داخل المجتمعات الإريترية.
- مراقبة التطورات التنظيمية المستقبلية: كن على اطلاع بأي تطورات تنظيمية قد تحدث في المستقبل بخصوص ترخيص مقدمي خدمات الإقراض الرقمي. تفاعل مع المنظمات غير الحكومية أو المشاريع التي تدعم الشمول المالي، حيث قد تقدم معلومات أو فرصاً مستقبلية.
تذكر، أن جميع الادعاءات بوجود تطبيقات إقراض تعمل حالياً في إريتريا غير مؤكدة بسبب غياب الجهات المنظمة للإقراض الرقمي.
في الختام، يظل المشهد المالي الرقمي في إريتريا في مراحله الأولى، مع غياب شبه كامل لتطبيقات الإقراض الرقمي. وبينما يشكل هذا الواقع تحدياً كبيراً أمام الشمول المالي، فإنه أيضاً يبرز الحاجة الملحة لتطوير الأطر التنظيمية والبنية التحتية لدعم التكنولوجيا المالية. وحتى ذلك الحين، يجب على المستهلكين الاعتماد على القنوات الرسمية والممارسات المجتمعية التقليدية، مع توخي الحذر والوعي بالمخاطر المحتملة في أي تعاملات مالية غير منظمة.